صفحة الاستقبال
  English
  Arabic
  Russian
  Chinese
ساعدوا ضحايا الحرب بالتبرع للجنة الدولية للصليب الأحمر الآن !
English title: Iraq: No life Without a home
iraq-article-310806
31-08-2006  مقال صحفي   بقلم  ناجي متعب محمد
وهل تستطيع الخيمة أن تسند قامتها ؟
منذ الهجوم على مسجد العسكري في سمراء في الثاني والعشرين من فبراير/ شباط 2006, وعمليات التهجير القصري للسكان في العراق في إزدياد. ويقدم الهلال الأحمر العراقي للعائلات النازحة المساعدة إذ يقدم لهم الإغاثة والطعام والخيام. وفي هذه الرواية, يستعرض واحد من موظفي الهلال الأحمر العراقي انطباعاته الشخصية خلال زيارة قام بها إلى مخيم نهروان للمهجرين على أطراف العاصمة بغداد. وقد نشر هذا المقال في مجلة الصليب الأحمر والهلال الأحمر, العدد الثاني, 2006.

اعرف المهمة التي أوكلت اليّ, وتهيأت لها متشبثاً أن انجزها بالسرعة الممكنة

انطلقت بنا سيارة الهلال الأحمر العراقي بسرعة لم تغب خلالها حسابات السائق لاحتمالات الازدحام والعودة بسلام.
وثمة وقت لم يكتمل فيه عمر ساعة راحت أحاديثنا على هواها تنتقل من شكوى انقطاع التيار الكهربائي إلى الزحام المروري, لتلتقي من دون مقدمات مع القلق الذي اخذ نصيبه من أسئلتنا وتوقعاتنا.

يبدو أن السائق قد وصل حنقه إلى الذروة فزعق: "أهي حياة هذه؟ -- لقمة الخبز صارت مغموسة بالدم والأحزان!"
اعتدنا أن نسمع هذه الأمور, تحيط آثارها يوميا في مناحي حياتنا, ليس لها وقت محدد أو معلوم.وانعطف بتؤدة نحو طريق ترابية قد سويت بشكل مناسب.
بادرني زميلي المتطوع بالسؤال:"أزرت قبل هذا الوقت مخيمات المهجرين؟"
لم أتأخر: "لم يحدث ذلك."
حاول أن يمهد لما سأراه, لكنه حسم الأمر: "لن أتدخل في انطباعاتك, ستطلع بنفسك على الحال وصورها."

اقتربنا من المخيم, تذكرت سؤال المتطوع: "أزرت قبل هذا الوقت...؟", فتلعثمت الكلمات ,تكورت ثم اهتزت كأنها تصفع بعضها البعض.
توقفت السيارة, افرغ السائق حمولتها من المساعدات الممكنة, وسرت مع المتطوع صوب الخيمة الأولى.

القينا التحية على المرأة الواقفة, فردت بأحسن منها.
ثم أردفت: "الذي تتحملونه لاجلنا سنحفظه طول حياتنا."
وفجأة تغير كل شي حولها, فعدت إلى ما حسبته تشبثا لان أنجز المهمة بعيدا عن المنغصات. وسألت نفسي: "هل تستطيع الخيمة أن تسند قامتها؟"
ابتدأ حنكها يرتفع رويدا, رويدا أحسست بان شفتيها قد حط عليهما الجفاف, لكن عينيها غرزتا البصر في قرص الشمس وكأن لظى شمس حزيران قد سكن أخاديد وجهها فتعثرت.
ضرب الساقان بعضهما الآخر, فنأت بوجهها عن قرص السماء حانقة لم تعرف من الشتائم إلا نأمة غضب: "تقبض الروح شمس الغروب!! "
لطمني الدوار من كل جانب, واندفعت حمى التقريع ترقى بجسدي الكهل وتهبط به. وسالت نفسي مرة أخرى: "ما هذه المهمة التي تبدأ بهذه الصيحة؟"
وكأنه يعرف اللوحة وما بها من التواءات وتعاريج, ربت المتطوع على كتفي واحالني في لحظة ضاعت بها كلماتي إلى تلميذ صغير يتهجأ الحروف ويقطعها حين نطق: "لا تتجهم , سيمر كل شي على ما يرام."

أخذّ قرص الشمس خطوات سفره التي ابتلعت صيحة المرأة وأنبأت خيوط المساء كي تفرش أغطيتها وتدخل كل حدب وصوب.
كبر اللقاء...
حضر صبي في الرابعة عشر من عمره, وبتهذيب لافت للنظر صافحنا. سأله زميلي المتطوع: "كيف حالك" مستدركاً, "أسال عن حالك في الامتحان؟"
هز الصبي يده متمتما.. "الحال كما ترونها"
وتابع: "كنت أتمنى أن يكون موضوع الإنشاء حول التهجير القسري لاْفرغت كل ما حمله خاطري وقلبي من اْلم ولوعة ."
وارتفع صوته بحدة: "لقد أوشكت العطلة ولا صديق من ربوعي أراه, منظر هذه الخيم يفزعني, وداري تحضر أمام عيني يومياً فابكي وتبكي. ولا أراها."

كان اصطفاف الخيم, عالم من الأفئدة المبعثرة, مثل القدور والأغطية وأكياس الدقيق وقناني الزيت والحاجيات المختلفة.
حتى هذه الأرض التي زرعت فيها هذه الخيم أصابها الاستغراب وعلاها ما يشبه الاعتلال. وكأنها تساْل : "من هولاء, لماذا هم هنا, ما الذي يجري على ثراي؟!"

بدت الملابس المعلقة على الحبال تبادل بعضها النظرات فيما حملت النسوة أواني المياه من الخزان البلاستيكي الذي انتصب بعيدا وكاْنه السيد الآمر الناهي..
يبدو أن الحلقة ستتسع, ها هو الشاب يحث الخطى نحونا, وصل. وبادلنا التحية ثم دفع كلماته: "لن يموت فعل الخير, ولا أجاملكم إن قلت: إن الهلال الأحمر حملت هذا المعنى."
أضاف: "هي مأساة, الآن تأكل منا كل شي."
كان به شوق لان يتحدث, ولم يعتذر من انطلاق ما في داخله , فاغمض عينيه ثم فتحهما وقال: "لي نخلات هناك, ألان بدأت اعذاقها تتدلى, سينضج حملها فيما مأساتنا ترينا اللحود يوما بعد يوم."

أوشكت أن انفجر من كل جانب, أدرك المتطوع أن حالي أصبحت لا تلائم المهمة فيما السائق الذي ظل على مقربة من السيارة يحدق في اتجاهات خطواتنا التي تزف له موعد العودة.
عدنا بعد أن تسلمت العائلة ما حملته زيارتنا, ولذت بالصمت, ضاعت عني حتى الآهات.
أي ريح هنا وأي تراب؟
وحضرت الأسئلة التي آنست بالدوار الذي لف كياني, والأسئلة نفسها عنيدة, تحاورني وتجيب: "الريح هنا والتراب لا يعرفه هولاء الذين حشروا وسط الخيم... العيون هنا ملئت بالدمع الذي لا ينثال. يضيع لديك الحد, وتحتضر المسافة, فلا تملك إلا أن تحمل ما دفع اليك من هم .... وترحل.... ستصل إلى دارك لكن هولاء من دون دار, والأحلام عاشرت هذا الاصطفاف المريع من الخيم وتشابك الحبال."
والأسئلة نفسها .. ألحت.. "قم فالمساء حل والمخاوف لها ألف حساب!!"
عرفنا الطريق الترابية من جديد, والصمت ساد والى دورنا نتوجه , لكن الخيم تبكي ليس على حالها بل على الملامح التي توزعت فيها والأنفاس التي أحرقت نسيجها.



الانتقال إلى رأس الصفحة
صفحة الاستقبال | خريطة الموقع  | البحث | الجديد في الموقع | الاتصالات | حقوق الطبع محفوظة  | سياسة حماية الخصوصية | RSS
© 2008 اللجنة الدولية للصليب الأحمر
31-08-2006