جمهورية الكونغو الديمقراطية : التغلب على الخوف من خلال مساعدة الآخرين
22-05-2009 تحقيقات
تعرضت "ماما لويز"* للاغتصاب مع والدتها المسنّة وبناتها الثلاث. ومنذ ذلك الحين, تكرّس وقتها وطاقاتها لمساعدة بعض النساء الكونغوليات من بين الكثيرات اللواتي واجهن المصيبة نفسها.
وباشر الرجال بالسؤال عن المال: " أعطونا المال وإلا أحرقناكم " . حاول زوجها الفرار ولكنهم أطلقوا عليه النار فوراً وأردوه قتيلاً. واغتصبت " ماما لويز " بالقرب من جثته. أما بناتها الثلاث فاغتصبن داخل المنزل وسط صراخ الأطفال. وحتى والدتها البالغة الواحدة والثمانين من عمرها فلم تسلم.
بين الحياة والموت
" جاء الناس في الصباح وأخذونا إلى " مركز الإرشاد " (بيت للمواساة) في مينوفا ومن هناك إلى المستشفى " . ظلت " ماما لويز " 21 يوماً في غيبوبة بين الحياة والموت. وعادت إليها الروح تدريجياً ولكن عادت معها كل آثار هذا الكابوس المروّع.
" حملت اثنان من بناتي إثر ذلك وأنجبتا طفلين. ونبذ زوج ابنتي الكبرى طفلها " . وهكذا أخذت " ماما لويز " الطفل الرضيع الذي يرقد الآن وهي تحمله مربوطاً على ظهرها. وكان هذا بالتأكيد عملاً بطولياً في مجتمع يعتبر فيه أن أطفال الاغتصاب " يحملون اللعنة " ولهذا غالباً ما يتركون أو حتى يقتلون .
ولكن " ماما لويز " لم تتوقف عند هذه الخطوة " حين شعرت أنني بحالة أفضل, قررت أن أساعد هؤلاء اللواتي عشن المحنة نفسها مثلما حصلت أنا على المساعدة. وحالما أسمع عن حادثة من هذا النوع, أذهب إلى المنزل وأشرح للمرأة ما يمكن أن يقدم لها من عون وأرافقها على طول الطريق نحو " مينوفا " . ونأتي إلى هنا خلال أيام السوق, لأن طرق الجبال تكون حينها أكثر أمناً " .
مواجهة "وباء الاغتصاب"
" مركز الإرشاد " الذي تعمل فيه " ماما لويز " , ولم تكن , حتى الفترة الأخيرة, تتقاضى أي أجر, هو أحد المراكز العديدة التي أنشئت في السنوات الأخيرة في مختلف أنحاء منطقة " شرق الكونغو " . وقد شكلت هذه المراكز رداً من المجتمع المدني ومن الجمعيات النسائية بصورة رئيسية على ما سمي " وباء الاغتصاب " الذي عمّ المنطقة خلال السنوات الخمسة عشرة الماضية في أعقاب نزاعات لا تعّد ولا تحصى. وتدعم اللجنة ا لدولية للصليب الأحمر 34 مركز إرشاد في منطقتي " شمال كيفو " و " جنوب كيفو " .
ويقابل الضحايا في هذه المرافق البسيطة مرشدين يصغون إليهن ويقدمون الدعم المادي والنفسي. وتوجد في المركز غرفة صغيرة مع أسرّة للاستراحة. كما تتوفر مجموعات من المواد لما بعد الاغتصاب في المكان أو في مستشفى قريب, ذلك أن بعض المواد يمكن أن تحد من خطر الإصابة بالأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي مثل فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز, إذا ما تم تناولها في غضون 72 ساعة بعد الاغتصاب.
إلا إن إعادة ثقة النساء بأنفسهن عملية تتطلب وقتاً أطول وجهوداًً أكثر عناء بكثير. وغالباً ما يضطر الوسطاء إلى التوجه إلى الأزواج وأفراد العائلة الآخرين وإقناعهم بأن نبذ هؤلاء النساء عمل لا معنى له وفيه قساوة كبيرة. وحين يفشلون في مهمتهم , توفر مراكز الإرشاد ملجأ لفترة أطول للنساء وأحياناً لأطفالهن.
ترافق اليوم " ماما لويز " إلى المستشفى ثلاث ضحايا عشن مؤخراً هذه المحنة . وتنتظر النساء وهن يقفن في أحد المنحدرات حول القرية حيث تتميز الطبيعة بجمال ساحر , بينما تروي لنا " ماما لويز " قصتهن . " لقد هوجمت اثنتان منهن يوم السبت الماضي والثالثة يوم الاثنين. تبلغ إحداهن 18 سنة وكانت تجمع البطاطا الحلوة في الحقل عندما اغتصبها رجلان مسلحان. لم تكن تقوى على التحرك بعد ذلك ووجدها أفراد من عائلاتها هناك في المساء وهي لا تزال ملقاة على الأرض. فأحضروها إلي وقلت لها ألا تقلق وأنني سأرافقها إلى مكان يمكن أن تجد فيه عوناً " .
إن الحوادث هنا كثيرة وتجري دائماً غير بعيد عن منزلها الواقع في قرية صغيرة معزولة تحيط بها حقول الفاصولية والذرة البيضاء (السرغوم) . ولكن " ماما لويز " لا تذكر أبداً الخوف الذي ينتابها بالتأكيد كل ليلة حين يطل من وراء الهضبة شبح مأساتها الخاصة الحديثة العهد.
ما الذي يسعد " ماما لويز " ؟ ها هي تفكر ملياً في السؤال متمهلة قبل أن تجيب قائلة: " في البداية كنت أشعر بألم في جسمي وأصاب بدوار. وأحسّ عادة بضعف شديد. وظننت أنني لن استعيد أبداً عافيتي. ولكن حين أساعد هؤلاء النساء, أشعر بقوة أكبر كلما بذلت المزيد من الجهد. فمنذ شهر أيار/مايو الأخير قدمت العون إلى 67 امرأة . وما يسعدني أيضاً هو أن أرى وضع بناتي يتحسّن كذلك. "
*تم حجب الاسم الحقيقي
-
شارك
|

