العراق: يد الأمل تزيح الألم
30-08-2010 تحقيقات
ماذا تفعل النساء اللواتي يجدن أنفسهن وحيدات أمام مصاعب الحياة خلف أسوار البيوت التي تأويهن, إذا كان ثمة بيوت لكثير منهن حقاً؟ بعضهن يستسلمن لليأس, وبعضهن يفتحن كوة على الأمل ليعشن بما يتاح لهن من إمكانات أو فرص يوظفنها للبدء بخطوة أولى في طريق الألف ميل باتجاه الحياة. ودجلة وشكرية, نموذجان من نساء عديدات راهنَ على فكرة الأمل وتحدي مصاعب الحياة مهما كبرت من حولهن أو اتسعت دائرتها.
دجلة صاحبة صالون حلاقة
عقب وفاة زوجها في العام 2005 بعد صراع طويل مع المرض, وجدت دجلة (43 عاماً) نفسها أمام معاناة صعبة لم تكن تحسب حسابها. فزوجها الذي أمضت معه عشر سنوات بحلوها ومرها, كان يمثل لها سنداً تتكيء عليه إذ كان المعيل الوحيد لها ولبناتهما الثلاث, وكانت أكبرهن تبلغ حينها ثماني سنوات فقط.
بعد وفاة زوج دجلة, تقدم لمساعدتها والده الذي خصص لها وللفتيات الصغيرات منزلا صغيرا يسكن فيه وبعض المال الذي قد يسد بعض احتياجاتهن, لكنه لم يكن كافياً بأية حال من الأحوال.
أصبح البحث عن وسيلة لتأمين لقمة العيش هاجساً يطارد دجلة لمعرفتها أن الحصول على عمل هو أمر شبه مستحي ل بالنسبة إلى امرأة وحيدة مع ثلاث فتيات صغيرات.. أمر فوق الاحتمال بالنسبة لمن هي في مثل حالتها بينما كانت فكرة إيجاد عمل أو تأسيس مشروع يجلب لها دخلاً هي الغالبة على تفكيرها.
ويبدو أن يد الأمل طرقت بابها لترسم أولى خطواتها نحو تحقيق الفكرة التي طالما راودتها. ففي العام 2007, زودتها إحدى الجمعيات غير الحكومية المحلية في محافظة النجف, حيث تقيم وعائلتها في الحي العسكري بالمدينة, ببعض المواد الغذائية التي وفرتها لها اللجنة الدولية للصليب الأحمرضمن برنامج " سلة رمضان " .
وتقول دجلة: " إنها المرة الأولى التي أتعرف فيها على اللجنة الدولية للصليب الأحمر.. المواد الغذائية التي وفرتها لي بالتعاون مع تلك الجمعية, أصبحت دافعاً لي للتفكير بإنشاء مشروعي الصغير ليكون مصدر عيش لي ولعائلتي الصغيرة دون أن أمد يدي لطلب مساعدة من الآخرين " .
قدمت دجلة دراسة عن فكرة مشروعها للجمعية وهو " صالون " حلاقة للنساء للحصول على المال الذي يؤمن لها البدء في المشروع. ثم أتاها الخبر الذي جعلها تطير فرحاً, وهو أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر اختارت مشروعها لتقدم له الدعم المطلوب كي ينجح ويستمر.
تقول دجلة بفرح واضح: " وفرت لي اللجنة الدولية كل المواد والمستلزمات لكي أرسم بداية جديدة لي ولبناتي, وأصبح بيتي مقر عملي أيضاً وحصلت على المواد التي تعينني على النجاح في مهنة تصفيف الشعر وتزيين النساء " .
كان لابد أن تواجه دجلة بعض الصعوبات في عملها في بداية الأمر, خاصة وأن كثيرين لم تكن لهم معرفة بمشروعها, كما أنها عملت بالمجان ودون مقابل خاصة مع جاراتها.
لكن الأمر تغيربعد ذلك, فقد أخذت الكثير من النساء يترددن على صالون الحلاقة, وتزداد وتيرة العمل في المكان خلال أيام الفرح والمناسبات, عندما تتهيأ العرائس للزفاف ولا بد من لمسات الجمال التي توفرها أنامل دجلة وبناتها للعميلات.
طموح دجلة لم يتوقف عند هذا الحد, حيث عرضت الجمعية عليها تقديم محاضرات للنساء اللواتي تقوم الجمعية بتدريبهن على مختلف الأعمال التي يمكنها أن تدر عليهن الدخل خاصة في مجال تصفيف الشعر.
مشروع دجلة والنجاح الذي تحقق فيه أحد ث فرقاً إيجابياً ليس على المستوى الاقتصادي فحسب, بل جعلها تزداد ثقة بنفسها وبشعورها أنها لم تعد وحيدة.
شكرية تربي الأغنام
قبل أن تستقر في منطقة قريبة من مطار محافظة النجف, كانت شكرية (60 عاماً) تسكن في قضاء المحمودية جنوبي العاصمة بغداد, وكانت تملك أرضاً زراعية تعمل فيها. ولكن بعد العام 2003 وعلى إثر أحداث العنف التي شهدتها البلاد, إضطرت شكرية وعائلتها للرحيل إلى محافظة النجف لتستقر في إحدى المزارع التابعة لبلدية المدينة وتمتهن أعمالاً بسيطة.
توفي زوج شكرية في العام 2002 بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان تاركاً لها خمسة أبناء انغمسوا منذ ذلك الحين في مهن بسيطة توفر لهم لقمة عيش تسد رمقهم.
وفي العام 2007, تلقت شكرية مساعدات غذائية من إحدى الجمعيات غير الحكومية المحلية التي وفرتها لها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهكذا تعرفت شكرية وعائلتها على اللجنة الدولية.
شكرية لم تكن تمتلك دخلاً خاصاً بها, و كانت تلك هي مشكلتها الكبيرة. كانت ت عتمد على ما يأتي به إليها أولادها ولم يكن ذلك سوى مبالغ بسيطة لا تغني عن جوع.
فكرت أن يكون لها مشروعها الخاص الذي يمكنها أن تجني منه ربحاً يتيح لها ولأولادها حياة مريحة. تقدمت بفكرة شراء عدد من الأغنام, إذا ربما ما ستنتجه تلك الأغنام يكون له مردود مادي طيب يوفر لها لقمة عيش كريمة من دون الحاجة إلى الآخرين. طرحت الفكرة على الجمعية, التي عرضتها بدورها على اللجنة الدولية للصليب الأحمر بغرض دراستها والموافقة عليها.
زار موظفو اللجنة الدولية منزل شكرية لتقويم وضعها ومن ثم العمل على مساعدتها على تنفيذ فكرة المشروع. بعد ذلك وفرت اللجنة الدولية ستة أغنام كانت البداية لانطلاقة المشروع الذي كتب له النجاح من خلال عمل شكرية الدؤوب في رعاية أغنامها و الاستفادة من منتجاتها كالحليب والصوف فضلاً عن بيعها لرأسين من الغنم بعد أن تكاثرت تلك الأغنام و زاد عددها.
أصبح الشغل الشاغل لشكرية الآن رعاية أغنامها الثمانية والعناية بها, ومع نجاحها في مشروعها هذا هي لم تعد بها حاجة للآخرين الذين كانوا يمدون لها يد العون قبل الآن.
-
شارك
|

