السودان: الأطباء يتنقلون جوا
09-02-2009 تحقيقات
البذلة الخضراء والحمراء هي نفس تلك التي نراها على شاشات التلفزة, والتركيز شديد كما في أي غرفة للعمليات لكن غياب أجهزة تستخدم التكنولوجيا العالية واضح وضوح الشمس. فالفريق الجراحي المتنقل التابع للجنة الدولية يجري عمليات تنقذ الأرواح تحت ظلال شجرة الباوباب بمعدات أبسط ما يكون, كما تشرح تمارا الرفاعي من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
والسيدة " ليزي " هي إحدى الممرضتين العاملتين مع الفريق الجراحي التابع للجنة الدولية, وهو مجموعة تتألف من أربعة من العاملين في المجال الطبي يتخذون من مدينة نيالا في جنوب دارفور مقرا لهم. ويتمثل عملهم في السفر جوا إلى مختلف أنحاء السودان وإجراء عمليات للأشخاص المصابين بجروح من جراء القتال.
وتقول " ليزي " : نستطيع إجراء عمليات في كل مكان ما دمنا قادرين على نصب ناموسية. وإذا اضطرتنا الظروف, نستطيع وضع ناموسية بين الشاحنتين التابعتين لنا " . وسيصعب على الذين تعودوا على مشاهدة البرامج التلفزيونية التي تعرض غرف عمليات تستخدم فيها تكنولوجيا عالية, تخيّل جراح يؤدي عمله تحت شجرة الباوباب, لكن هذا هو السياق المعتاد لمعظم العمليات التي يجريها الفريق الجراحي الميداني.
ويجول الجراح وطبيب التخدير وممرضتان مختلف أنحاء البلاد مزودين بمعدات قليلة, ويعملون في كثير من الأحيان ساعات طويلة لعلاج الأشخاص العاجزين عن الذهاب إلى المستشفيات أو العيادات أو غير الراغبين في الذهاب إليها. فبعظهم يسكن بعيدا جدا عن أقرب مستشفى, وآخرون ينتابهم الخوف من أن يستهدفهم الطرف الآخر. وأيا كانت الأسباب, فهم يلجأون إلى اللجنة الدولية التماسا للمساعدة. ويشرح الدكتور " تيسفايه " قائلا بصوته الخفيض: " كل ما يتعين عليهم القيام به هو الاتصال باللجنة الدولية " .
جميع أفراد الفريق الجراحي الميداني طبيون محترفون يعيشون في بلدانهم, لكنهم يقومون, لمدة عدة شهور كل سنة, بمهام تشرف عليها اللجنة الدولية في مناطق تمزها الحرب. وعندما سألت السيدة " ليزي " كيف ترى الانتقال من كوبنهاغن إلى غرفة عمليات ميدانية في دارفور. أجابت قائلة وهي غارقة في التفكير: " أمر خارق للعادة. وأصعب تجربة لي هي المهمة التي أديتها في بيروت عام 1982. فالعمل على ظهر سفينة مع جرحى حرب يعانون من الصدمة وسط عاصفة في البحر الأبيض المتوسط بدا لي كيوم القيامة. ولازمتني صور هؤلاء الأشخاص مدة أسابيع بعد عودتي إلى الدنمارك. لقد بدا لي العالم كله مختلفا " . وعملت منذ ذلك الحين في عدة مناطق منكوبة أخرى: الحدود الباكستانية والأفغانية عام 1985, والقدس خلال الانتفاضة, وإندونيسيا بعد موجات التسونامي عام 2005, وكشمير في أعقاب زلزال 2005.
وتجدر الإشارة إلى أن الفريق الجراحي الميداني بدأ عمله عام 2005, وهو يملك طائرته الخاصة التي يمكن أن تنقل نصف طن تقريبا من المعدات الطبية والجراحية. لكن يجب على الفريق, قبل نشره, أن يتأكد من أنه سيحظى بالترحيب, إذ يجب على أي مجموعة مسلحة تسيطر على الطريق أو وجهته الأخيرة أن تضمن سلامته. ويستغرق الأمر عادة يوما للحصول على هذه الضمانات بعد سلسلة مكثفة من الاتصالات الهاتفية. وبعد ذلك ينتقل الفريق على متن الطائرة متوجها إلى أقرب مدينة يوجد فيها مكتب للجنة الدولية. ومن هناك, يستخدم سيارات اللجنة الدولية ويذهب إلى حيث ينتظره المرضى.
وثمة شرط آخر للانتشار وهو ضرورة أن يكون هناك على الأقل ثلاثة مصابين بجروح تهدد الحياة, مثل الكسور المفتوحة الناتجة عن إصابات بالرصاص في الأطراف, أو إصابات بأعيرة نارية في الرأس أو البطن أو الصدر. ويقول رئيس الجراحين: " نعالج بطبيعة الحال إصابات أخرى خلال وجودنا هناك. ففقد عالجنا, أثناء مهمتنا الأخيرة, صبيا كسر معصمه عندما سقط من على شجرة " .
والمهمات التي يقوم بها أفراد الفريق الجراحي الميداني في مختلف أنحاء العالم مختلفة كثيرا عن الحياة في الوطن بين الأحباب. فهم يقارنونها بالانتقال من فيلم بالألوان إلى فيلم بالأبيض والأسود. وهي فرصة للعيش حياة بإيقاعات ووتائر مختلفة ولإثراء آفاقهم في ما يتعلق بالعالم الذي يحيط بهم. وحتى عندما يتحدثون إلي في مكتبهم في نيالا, تنتظر السيدة " ليزي " والدكتور " تسفايه " المكالمة التي ستأخذهم إلى مغامرتهم المقبلة.
-
شارك
|

