• ارسال
  • طبع

تعزيز الحماية القانونية الممنوحة لضحايا النزاعات المسلحة

21-09-2010 تصريح

دراسة اللجنة الدولية عن الوضع الحالي للقانون الدولي الإنساني. كلمة السيد "جاكوب كلينبرغر", رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

أصحاب المعالي,

سيداتي, سادتي,

في 12 آب/أغسطس من العام الماضي, أتيحت لي الفرصة لأعرض أمامكم بعض الملاحظات حول الوضع الحالي للقانون الدولي الإنساني. ولم تشكل آنذاك الذكرى الستون لاتفاقيات جنيف الحدث المناسب للنظر في التقدم المحرز منذ عام 1949 فحسب, بل كانت أيضا مناسبة لتقييم التحديات التي تواجهنا حاضراً ومستقبلاً. وكنت قد أشرت في هذه المناسبة إلى أن طبيعة النزاعات المسلحة وأسبابها وعواقبها قد تغيرت على مر السنين, وأن على المجتمع الدولي توقع بروز حاجات جديدة في مجال حماية ضحايا النزاعات المسلحة والاستعداد لتلبيتها. 

وكنت قد أعلنت في كلمتي العام الماضي أن اللجنة الدولية أشرفت على إنهاء دراسة بحثية داخلية استمرت لمدة سنتين. وكان لهذه الدراسة هدفان أولهما تحديد المشاكل الإنسانية التي تبرز في النزاعات المسلحة وفهمها على نحو أدق وأوضح, وثانيهما استنباط الحلول القانونية الممكنة في ما يتعلق بتطوير القوانين أو توضيحها. وأولت الدراسة اهتماماً خاصا للنزاعات المسلحة غير الدولية ولكنها لم تركز حصراً على هذه النزعات.

وقدمت الدراسة تحليلاً لأكثر من ثلاثين مسألة مهمة. وقامت اللجنة الدولية, بالنسبة إلى كل مسألة من المسائل موضع البحث, بتقييم الحاجات الإنسانية الحالية أولاً, مستندة إلى خبراتها الخاصة وخبرات منظمات أخرى, ثم قدمت تقييماً لما يوفره القانون الإنساني من إجابات عن تلك المشاكل سعيا منها إلى تحديد الثغرات أو نقاط الضعف القائمة في القانون. 

ويشكل لقاؤنا اليوم متابعة لإعلان العام الماضي عن الإنهاء الوشيك للدراسة وهو يهدف إلى تقديم لمحة عامة عن الاستنتاجات الرئيسية التي توصلت إليها الدراسة. ويشكل هذا اللقاء أيضا مناسبة للدخول في حوار واسع النطاق حول إيجاد مقاربات قانونية جديدة لمنح ضحايا النزاعات المسلحة حماية قانونية ملموسة. 

أصحاب المعالي,

سيداتي, سادتي,

لقد خلُصت الدراسة إلى أن القانون الإنساني لا يزال يشكل إطارا ملائما لتنظيم تصرف الأطراف في النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية وذلك في ما يتعلق بمعظم المسائل المدروسة. لقد تطور على مر السنين قانون المعاهدات والقانون العرفي على حد سواء: فجاء سد بعض الثغرات وتوضيح بعض الإشكالات. وأثبتت التجارب الأخيرة ديمومة أهمية القانون الإنساني وملاءمته في حماية حياة الإنسان وكرامته أثناء النزاعات المسلحة. وما هو مطلوب في أغلب الحالات من أجل تحسين أوضاع الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح ليس اعتماد قواعد جديدة بل تعزيز الامتثال للقوانين القائمة. ولا يمكن أن يخطئ المرء إذا قال أن معظم المشاكل الإنسانية التي نواجهها لن يعود لها وجود لو أظهرت كل الأطراف المعنية احتراماً فعلياً للقانون الإنساني. ولهذا يجب أن تستند جميع محاولات تعزيز القانون الإنساني إلى الإطار القانوني القائم. ولا حاجة لمناقشة قواعد ثبتت ملاءمتها منذ وقت طويل.

ويجدر التذكير, في هذا السياق, بأن تعزيز الإطار القانوني المنطبق على النزاعات المسلحة يتطلب أيضاً أن تؤخذ في الاعتبار, إلى جانب القانون الإنساني, أنظمة قانونية أخرى ذات صلة. ومن الضروري أن يتجنب أي تطور أو توضيح للقانون الإنساني الازدواجية مع قواعد قائمة في قانون حقوق الإنسان. كما يجب تجنب أي خطر من شأنه تقويض تلك القواعد. غير أنه ينبغي أن يظل عنصر أساسي ماثلاً أمام أعيننا ألا وهو أن احترام القانون الإنساني واجب في كل الظروف في حين أنه يسمح بالخروج عن بعض أحكام قانون حقوق الإنسان في حالات الطوارئ. ويمكن بالتالي أن يساعد تدوين القانون الإنساني في منع بروز ثغرات قانونية في التطبيق العملي.

إلا أن الدراسة أظهرت أيضاً أن القانون لا يستجيب دائماً بالكامل للحاجات الإنسانية الفعلية. وتنتج بعض التحديات المطروحة في مجال حماية الأشخاص والأعيان, عن ثغرات أو نقاط ضعف في القوانين القائمة والتي تتطلب المزيد من التطوير أو التوضيح.

وخلصت اللجنة الدولية بصورة أكثر تحديداً إلى أن القانون الإنساني يجب أن يضع أجوبة جديدة في أربعة مجالات رئيسية.

يشمل المجال الأول حماية الأشخاص المحرومين من الحرية, لاسيما في حالات النزاعات المسلحة غ ير الدولية. وتزور اللجنة الدولية مئات الآلاف من المحتجزين كل سنة الأمر الذي يوفر للمنظمة امتلاك رؤية فريدة عن المشاكل القانونية والعملية التي ترافق الحرمان من الحرية. صحيح أن غياب البنى التحتية والموارد الملائمة يعيق في بعض الحالات إنشاء نظام احتجاز لائق, ولكن ندرة المعايير القانونية الواجبة التطبيق في النزاعات المسلحة غير الدولية تشكل على نحو مماثل عائقاً كبيراً أمام الحفاظ على حياة المحتجزين وصحتهم وكرامتهم.

ومما لا شك فيه أن الظروف المادية الرديئة للاحتجاز من الأرجح أن تخلّف, وغالباً ما تخلّف فعلاً, آثاراً مباشرة على الصحة الجسدية والعقلية للمحتجزين يتعذر بعد ذلك إزالتها. ومن بين المشاكل المرافقة للاحتجاز الأكثر شيوعاً, نذكر عدم توفر ما هو ملائم من الطعام والماء واللباس وغياب أنظمة الصرف الصحي وظروف السكن الملائمة وصعوبة الحصول على خدمات الرعاية الطبية اللازمة. وقد تكون بعض الفئات مثل النساء والأطفال مثلاً, أكثر تعرضاً للأخطار من غيرها بسبب حاجاتها الخاصة في مجال الحماية. ومع ذلك, بينما توجد قواعد مفصلة ملزمة عن شروط الاحتجاز في النزاعات المسلحة الدولية, لا تحكم قواعد من هذا النوع النزاعات المسلحة غير الدولية ولاسيما تلك النزاعات التي لا يغطيها البروتوكول الإضافي الثاني وبالتالي لا تنظمها إلا المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع.

وثمة مشكلة إنسانية أخرى مهمة تكمن في عدم تمتع المعتقلين والمحتجزين لأسباب أمنية خلال النزاعات المسلحة غير الدولية بالحماية الكافية. فالاعتقال يمارس على نطاق واسع باعتباره وسيلة لمراقبة بعض الأشخاص بدون توجيه التهم الجنائية إليهم. ولا تحتوي معاهدات القانون الإنساني على أية ضمانات قضائية لمواجهة هذا الوضع أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية. ولذلك يتعرض المعتقلون لعواقب عدة منها احتمال أن يخضعوا لفترات اعتقال طويلة بدون إخطارهم على النحو الواجب بالأسباب التي أدت إلى حرمانهم من الحرية, وعدم وجود أية إجراءات متاحة لهم للطعن في قانونية اعتقالهم أو تأمين الإفراج عنهم إذا لم يكن مثل هذا الاعتقال مبرراً أو لم يعد مبرراً. وتؤكد خبرة اللجنة الدولية أن عدم معرفة أسباب الاعتقال أو طول مدته هو احد المصادر الرئيسية للمعاناة التي يعيشها المعتقلون وعائلاتهم.

وتبرز مشكلة أخرى مثيرة للقلق تتمثل في المخاط ر التي يتعرض لها المحتجزون حين ينقلون من سلطة إلى سلطة أخرى سواء أثناء عملية النقل أو بعدها. ويكون هؤلاء الأشخاص قد عانوا في حالات معينة من انتهاكات خطيرة لحقوقهم من اضطهاد وتعذيب واختفاء قسري وحتى القتل. ومن الواضح أن التوجيهات القانونية المتوفرة لسلطات الاحتجاز في مثل هذه الحالات هي غير كافية. وهذا يعني أن ثمة ضرورة ماسة لوجود مجموعة من القواعد الممكنة التطبيق, في الجوهر وفي الإجراءات, من أجل حماية سلامة الذين يعانون من هذه الظروف وكرامتهم.

ومن الضروري أيضاً ضمان إمكانية أن تزور المحتجزين هيئة مستقلة ومحايدة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتساعد مثل هذه الزيارات السلطات المسؤولة على التعرف إلى المشاكل المطروحة وتشكل قاعدة للحوار حول تحسين معاملة المحتجزين والظروف المادية لاحتجازهم. ويعترف القانون الذي يحكم النزاعات المسلحة الدولية بحق زيارة الأشخاص المحرومين من الحرية, ولكن وبالرغم من أن القبض على الأغلبية العظمى من المحتجزين واعتقالهم يجري اليوم أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية, فلا وجود لهذا الحق في الإطار القانوني الذي يحكم هذا النوع من النزاعات المسلحة.

إن اللجنة الدولية تعتقد, مستندة بشكل خاص إلى هذه الاعتبارات, أن استكشاف طرق قانونية جديدة تتيح معالجة شاملة لموضوع حماية الأشخاص المحرومين من الحرية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية هو ضرورة ملحة. 

أصحاب المعالي,

سيداتي, سادتي,

تنفيذ القانون الإنساني وإنصاف ضحايا الانتهاكات هو مجال آخر تبدو الحاجة ملحة فيه إلى تطور قانوني. فعدم الاحترام الكامل للقواعد الواجبة التطبيق هو السبب الرئيسي لمعاناة الناس أثناء النزاعات المسلحة. وجاء التركيز خلال السنوات الأخيرة على وضع إجراءات في القانون الجنائي تتيح مقاضاة ومعاقبة الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني ولكننا لا نزال نفتقد للوسائل الملائمة لوقف الانتهاكات والتعويض عنها عندما تحصل.

وقد ثبت أن معظم الآليات التي ينص عليها القانون الإنساني غير كافية إلى الآن. ولم تستخدم عملياً الإجراءات المحددة لمراقبة الأطراف المتحاربة في النزاعات المسلحة الدولية, أو لم تستخدم القط تقريباً, عموماً بسبب عدم موافقة مختلف الأطراف في النزاع. أ ما في ما يتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية فمثل هذه الإجراءات هي ببساطة غير موجودة. 

وبدلاً من ذلك, أمكن تنفيذ أنشطة المراقبة في النزاعات المسلحة بفضل آليات وضعت خارج نطاق القانون الإنساني, على سبيل المثال داخل إطار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة, أو مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة, أو أنظمة إقليمية للدفاع عن حقوق الإنسان. وتكمن الميزة الرئيسية لتلك الآليات في إمكانية استخدامها بدون الحصول على موافقة أطراف النزاع, وفي أنها تنطبق أيضاً على كل أشكال النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية. غير أن هذه الآليات تصطدم أيضاً بتقييدات. فالبعض منها مثلاً يركز على تصرف الدول ولا يتناول مسؤوليات الأطراف غير الحكومية, إضافة إلى أن بعض الهيئات ملزمة قانوناً بتطبيق قانون حقوق الإنسان وهذا ما يجعل من الصعب عليها مراعاة أحكام القانون الإنساني ذات الصلة عندما يتعلق الأمر بحالات النزاع المسلح. وأخيراً لم يكن تأمين تعاون أطراف النزاعات في تنفيذ إجراءات المراقبة ممكناً دائماً.

وبالتالي لا يقدم نظام التنفيذ الساري حالياً إلا حلولا غير فعالة أو حلولاً جزئية , بينما تبقى الحاجة ملحة لتعزيز احترام القانون الإنساني من جانب كل الأطراف المشاركة في النزاعات المسلحة. فالمطلوب بوضوح هو نظام قادر على تلبية حاجات ضحايا هذه النزاعات.

وفي صلة بموضوع التنفيذ, هنالك أيضاً قضية أخرى بالغة الأهمية هي تعويض ضحايا انتهاكات القانون الإنساني. فالتعويض مسألة أساسية بالنسبة إلى الضحايا من أجل تمكينهم من التغلب على المعاناة الرهيبة الناجمة عن تلك التجارب المؤلمة وإعادة بناء حياتهم. وينبغي أن يكون التعويض متوافقاً والظروف التي يعيشها الضحايا وملائماً لحاجاتهم. ولا يشمل بالضرورة التعويضات المالية فهناك أشكال أخرى من التعويض تشمل إعادة الحق, ورد الاعتبار, و " الترضية " , وضمان ألا تتكرر الانتهاكات.

وتشكل حماية البيئة الطبيعية المجال الثالث المثير للقلق والذي ينبغي تعزيز القانون الإنساني فيه. فالأضرار الخطيرة التي أصابت البيئة الطبيعية في عدد كبير من النزاعات المسلحة ساهمت في زيادة حالة الاستضعاف لدى الذين عانوا أصلاً من القتال. إن البيئة ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها ولكن الناس يعتمدون أيضاً عليها لكسب الرزق وتأمين الراحة والرف اهية كذلك. وهي تلعب دوراً حاسماً في ضمان حياة وبقاء الأجيال الحاضرة والقادمة.

غير أن القانون الحامي للبيئة أثناء النزاعات المسلحة ليس واضحاً دائماً ولا متطوراً بما يكفي. فعلى سبيل المثال, لا يتضمن قانون المعاهدات شرطاً خاصاً بحماية البيئة والحفاظ عليها أثناء العمليات العدائية في إطار النزاعات المسلحة غير الدولية. صحيح أن القانون العرفي يحتوي على بعض الأحكام ذات الصلة مثل واجب عدم مهاجمة البيئة الطبيعية ما لم يكن هناك هدف عسكري, أو حظر الهجمات التي من شأنها التسبب بأضرار عرضية غير متناسبة في البيئة. إلا أن تحسين حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة يتطلب صياغة تفاصيل أوفى عن النطاق المحدد لهذه القواعد من القانون العرفي وما يترتب عليها.

وثمة ضرورة ملحة أيضاً لإيجاد وسائل أفضل لمواجهة عواقب الأضرار التي تلحق بالبيئة فوراً وفي الأمد الطويل. فتدمير محطات الكهرباء والمنشآت الكيمائية وغيرها من الصناعات وأنظمة التصريف الصحي والمجاري, وحتى مجرد الأنقاض الناجمة عن هذا التدمير, كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى تلوث خطير لمصادر المياه والأراضي الصالحة للزراعة والهواء, الأمر الذي يؤثر في حياة جميع السكان. ولهذا ينبغي إنشاء نظام جديد لضمان تنظيف المناطق المتضررة بسرعة وفعالية, ويجب أن يشمل ذلك إنشاء أنظمة للتعاون الدولي.

ويجب أيضاً تطوير العمل الوقائي, كالنظر مثلاً في إمكانية تعيين مناطق ذات أهمية بيئية كبيرة باعتبارها مناطق منزوعة السلاح قبل بداية نزاع مسلح أو على الأقل لدى اندلاعه. ويمكن أن تشمل مثل هذه المناطق مساحات تحتوي على نظم إيكولوجية فريدة أو على أنواع مهددة بالانقراض.

أما المجال الرابع الذي ينبغي تعزيز القانون الإنساني فيه فهو موضوع حماية الأشخاص النازحين داخلياً. ويشكل منح الحماية الملائمة للنازحين أحد المهمات الأكثر صعوبة في العمل الإنساني, وتثبت ذلك التجربة الطويلة للجنة الدولية في هذا المجال. ومع ذلك, لا نزال نفتقر في هذا الصدد إلى الحماية القانونية الكافية. إلا أنه ينبغي القول أن اعتماد المبادئ التوجيهية بشأن التشرد الداخلي عام 1998 شكل خطوة هامة في تعزيز الإطار القانوني الدولي لحماية الأشخاص النازحين إلى داخل بلدانهم. ومن المؤكد أن تدوين بعض عناصر هذا الصك الدولي وتطويرها سيساعدان في تعزيز آثارها.

إن الأشخاص المشردين داخلياً الذين تركوا منازلهم وأراضيهم قد يفتقرون إلى وسائل كسب العيش.وربما كانوا معزولين أو يعيشون في مناطق غير آمنة. وقد يصبحون ضحايا العنف بتجنيدهم قسراً في القوات المقاتلة, أو بالتعرض للاغتصاب وحتى القتل. وقد ينفصل الأفراد عن عائلاتهم, فيما يمكن أن يجد أولئك الذين هربوا بدون أوراق تثبت أوضاعهم المدنية صعوبة في الحصول على الخدمات الاجتماعية أو في التحرك بحرية داخل البلاد. لهذا ينبغي وضع قواعد قانونية لتأمين بعض الأمور منها مثلاً الحفاظ على وحدة الأسرة أو إمكانية حصول النازحين إلى داخل البلاد على الوثائق اللازمة للتمتع بحقوقهم.

ويمكن أن تتفاقم مأساة النازحين داخلياً إلى حد خطير إذا طال النزوح لأمد طويل وأصبحوا عاجزين عن العودة إلى منازلهم أو أماكن سكنهم العادية أو إيجاد حل دائم آخر. وقد تكون ممتلكاتهم قد تعرضت للدمار أو استولى عليها آخرون, واحتلت أراضيهم أو لم تعد صالحة للاستعمال بسبب العمليات العدائية, كما يمكن أن يتعرضوا لعمليات انتقام في حال عودتهم. ويحتمل أيضاً أن يواجهوا مشاكل في اندماجهم في المجتمع الذي لجأوا إليه. ومع ذلك يفتقر القانون الدولي الساري إلى الأحكام اللازمة لمواجهة كل هذه القضايا. لهذا ينبغي أن يطور القانون الإنساني إجراءات تمكّن النازحين داخلياً من العودة إلى منازلهم أو أماكن سكنهم في ظروف مرضية. 

أصحاب المعالي

سيداتي, سادتي,

إن هذه الدراسة التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليست إلا خطوة واحدة من بين الخطوات العديدة التي يجب الاضطلاع بها إلى حين تقديم حلول عملية فعالة. ونظراُ إلى طبيعة مهمتها, فإن اللجنة الدولية لعازمة على اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان توصل هذه المبادرة إلى نتائج إيجابية. إلا أن اللجنة الدولية تدرك أيضاً أن مثل هذه النتائج لا يمكن أن تتحقق بدون المزيد من التعاون والدعم. ففي النهاية, وحدها الدول قادرة على تحقيق تطور في القانون الدولي.

وتود اللجنة الدولية إقامة حوار مع الدول ومع الأطراف المعنية الأخرى بشأن الاستنتاجات الواردة في الدراسة وبشأن أية متابعة محتملة.

وإننا نرحب شاكرين بأية تعليقات أو اقتراحات تصلنا حول هذه المبادرة , سواء بالنسبة إلى المحتوى أو الإجراءات. ونولي اهتماماً خاصاً لمعرفة مدى موافقة الجهات الأخرى على قراءتنا للمشاكل الإنسانية الفظيعة التي تواجهنا وما تطرحه من تحديات أمام القانون الإنساني.

وسعياً منها لتشجيع هذا الحوار, تنوي أيضاً اللجنة الدولية, خلال الأشهر القادمة, الدخول في مناقشات ثنائية مع مجموعة من الدول. وهي مستعدة كذلك لإقامة حوار مع جميع الدول التي ترغب في ذلك. واستناداً إلى تلك المشاورات, سوف تتخذ قراراً بشأن إمكانية طرح مبادرات تهدف إلى تعزيز الإطار القانوني الواجب التطبيق في النزاعات المسلحة وكيفية إجراء ذلك.

وسوف تبلغ الدول بنتائج هذه العملية. وسيشكل المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر المزمع عقده في تشرين الثاني/نوفمبر القادم خطوة مهمة في هذا السياق. 

أصحاب المعالي

سيداتي, سادتي,

ربما بدا سعينا هذا مفرطاً في طموحه, ذلك أن العوائق أمامنا كثيرة حقاً. إلا أن المعاناة التي تسببها النزاعات المسلحة تفرض علينا أن نكون طموحين. وإذا لم نكن كذلك فكيف لنا أن نضمن أن يستمر القانون الإنساني في الاستجابة فعلاً لحاجات الذين يتحملون عبء الأضرار التي تسببها تلك النزاعات المسلحة؟ لقد أقنعتني التجارب الماضية أن من الممكن تجاوز العقبات التي تبرز أمامنا إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك. ولا يسع اللجنة الدولية إلا أن تعرب عن أملها في أن توحد الدول جهودها لصالح ضحايا النزاعات المسلحة.