قبل عشر سنوات جاءت صياغة "مدوّنة السلوك للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والمنظمات غير الحكومية في مجال أعمال الإغاثة في حالات الكوارث" كاستجابة لحاجة حقيقية. ففي ذلك الوقت شعر الكثير من المانحين بخيبة الأمل إزاء مساعدات التنمية التي بدى أنها، رغم عقود من الاستثمار، لا تحقق سوى القليل من النتائج الملموسة. في المقابل صار العمل الإنساني بالغ الجاذبية، بتأثيره الفوري والمرئي و(على الأقل ظاهرياً) الإيجابي. وكان هذا الاهتمام غير المسبوق بالمساعدات الإنسانية مدهشاً على وجه الخصوص في حالة بعض الدول التي ذهبت على نحو مأساوي إلى حد الاعتماد على تلك المساعدات بوصفها الوسيلة الرئيسية للاستجابة للنزاعين في رواندا ويوغوسلافيا السابقة.
واستجابة لهذا الارتفاع الكبير في الطلب، ظهر ارتفاع مقابل له في العرض. فبموازاة نمو الوكالات القائمة، ظهرت فجأة مجموعة جديدة من المنظمات غير الحكومية بالأساس. ورغم أن الجميع زعم لنفسه الصفة "الإنسانية" فإن العديد من تلك المنظمات أطلقت عمليات في الميدان وفق معايير أخلاقية مشكوك بها أو غامضة أو حتى في بعض الأحيان من دون معايير على الإطلاق. ونتيجة لذلك أصبحت نزاهة العمل الإنساني نفسها موضع تهديد.
في ظل هذا الالتباس سعت "مدوّنة السلوك" نحو إقرار معايير مشتركة للإغاثة في حالات الكوارث. وتعيد المدوّنة التأكيد على أهمية القانون الدولي الإنساني وانطباقه في حالة النزاع المسلّح. وهي تحدّد الباعث الأوّل للمساعدة الإنسانية بوصفه تخفيف المعاناة الإنسانية، مؤكدة أن تلك المساعدة يجب أن تُمْنح على أساس الحاجة وحدها وليس كأداة للسياسات الحكومية أو الخارجية ـ وهذه مُثُل تتلاقى عن كثب مع مبادئ الإنسانية وعدم التحيّز والاستقلال الخاصة بالصليب الأحمر / الهلال الأحمر.
ونحن نرى أنه لمن المصلحة الواضحة لضحايا النزاعات أن تتبنى الوكالات الإنسانية مثل تلك المبادئ.
وتدرج "مدوّنة السلوك" أيضاً المبادئ التنموية داخل إطار رؤيتها للمعونة الإنسانية ـ والكثير من ذلك أصبح فيما بعد ممارسات مؤسسية للجنة الدولية للصليب الأحمر. فمبدأ بناء الاستجابة للكوارث استناداً إلى القدرات المحلية مثلاً قد صار حجر الزاوية في سياسة اللجنة الدولية المتصلة بالتعاون، والتي تسعى لتعزيز قدرة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر على الاستجابة للآثار الإنسانية للنزاعات المسلّحة وحالات الاقتتال الداخلي في بلدانها. وتتضمن خطة اللجنة الدولية التنموية الاستراتيجية لأعوام 2003-2006 ("برنامج التوجيه") المسؤولية نحو ضحايا النزاعات وإدراج آرائهم في عملية تخطيط وتنفيذ وتقييم عمليات اللجنة الدولية ـ وهي طموحات تعكس بأمانة "مدوّنة السلوك" (أنظر المبدأين 9 و7 على التوالي).
ومع ذلك يتعيّن التساؤل حول ما إذا كانت "مدوّنة السلوك" لا تزال اليوم محتفظة بأهميتها وصلتها ببيئات العمل القائمة؟ ونحن نعتقد ذلك بالفعل. يتمثّل تحدٍ أساسي لعمليات اللجنة الدولية اليوم في نزوع بعض الدول لإدماج الأنشطة الإنسانية في إطار إدارة حملاتها السياسية العسكرية. وتشمل الأمثلة على مثل هذا النهج الإدماجي التصريحات الأخيرة لبعض الحكومات والتي تصف تواجدها العسكري في العراق وأفغانستان بأنه "إنساني بالأساس". إن الأعمال التي يجري تصويرها بأنها إنسانية قد صارت موضع اشتباه، إذ يُنْظر إليها ـ صواباً أو خطئاً ـ كجزء من استراتيجية أوسع لهزيمة الخصم أو العدو. ومالم يحدث تمييز واضح بين اللاعبين السياسيين العسكريين ووكالاتهم التنفيذية من جهة والأطراف الإنسانية المستقلة مثل اللجنة الدولية من جهة أخرى، فإن العمل الإنساني بشكل عام سوف يواجه خطر رفضه، بغض النظر عن هوية القائمين به ومدى نزاهة دوافعهم.
وفي مثل هذا المناخ يتعيّن التأكيد مجدداً على سلامة نهج العمل الإنساني المستقل. وهذه هي الكيفية التي تجدد بها "مدوّنة السلوك" على نحو شامل أهميتها في عالم اليوم. إن "مدوّنة السلوك" هي التعبير عن نهج ميداني مشترك لمد يد العون إلى المعوزين استناداً إلى مبادئ راسخة وإلى القانون الدولي الإنساني. وبالنسبة للمنظمات ذات التوجهات المتماثلة التي تتبناها، فإن من شأن "مدوّنة السلوك" أن تشكّل أساساً للحوار والجدال ـ لا مع المنظمات الأخرى فحسب، وإنما أيضاً مع اللاعبين السياسيين والعسكريين الذين يستخدمون العمل الإنساني كأداة لجمع المعلومات الاستخبارية وكسب "القلوب والعقول". وإنه ليتوجب علينا أن ندافع بفعالية عن نهجنا المشترك بحيث يتحقق فهمه وقبوله واحترامه على نحو كامل ـ خاصة بين صفوف أولئك الذين يضعونه اليوم موضع التساؤل أو يرفضونه.