قبل قليل كان المطر يتساقط في "نالشيك" مخلفاً نسمات هواء منعش لا يعرفه أولئك الذين اعتادوا دخان السيارات في موسكو. تطل المرأة وهي تتحرك ببطء في ضوء الشمس المشرقة فتنضم إلي لتجلس معي أمام طاولة مقهى في الهواء الطلق. نحتسي الشاي وتروي لي قصتها .
هذه قصة امراة عرفت اليأس الفظيع وأصبحت المعيل الوحيد لأسرتها. إنها امرأة مميزة كمثيلاتها من النساء العديدات اللائي استطعن البقاء على قيد الحياة إثر سنوات من النزاع في الشيشان.
قبل بضعة أعوام كانت "لويزا" قد تخرجت من جامعة موسكو الحكومية لتبدأ مسيرة عمل واعدة كصحفية تلفزيونية في غروزني.
وتقول: "عاجلاً ما تدرجت إلى وظيفة محرر لأرى الحكومات والوزراء والآراء تتغير بسرعة مقلقة. "
هذا وتتابع "لويزا" قصتها بدون انفعال كما لو أنها تتكلم عن شخص آخر.
"قررت أن أبقى بعيدة عن السياسة وتركت وظيفتي باحثة عن الأمان في قناة تلفزيونية متخصصة بالفن. وهناك علمت بالنبأ الفظيع عن مقتل تسعة أفراد من عائلتي بينهم امرأة حامل وعدة أطفال في انفجار قنبلة في وسط قريتنا. "
"لم أصدق ذلك في البداية وأخذت أدقق باسم القرية مرة تلو المرة. ولكن لم يكن هناك خطأ كانت هذه بالفعل قريتي "كاتيرـ يورت".
وتبع ذلك الخبر الحزن والألم وليالي الأرق الطويلة. وتوجهت "لويزا" خلال هذه الفترة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر طلباً لأدوية ولكنها عثرت أيضاً على عمل أتاح لها العيش بكرامة.
بدأت بالعلاقات العامة ثم انتقلت إلى التوعية بخطر الألغام وهو برنامج ترى "لويزا" فيه برنامجاً حيوياً في جمهورية تتحمل النتائج الرهيبة للمواجهات المسلحة.
في عينيها بريق الحياة ومن غير الممكن مقاومة حماسها المقنع حين تتكلم عن الألغام والذخائر غير المنفجرة وتسدي النصح وتقدم المساعدة لمن هم بأمّس الحاجة إليها. الكثيرون في الشيشان يحتاجون إلى المساعدة وبالكاد تجد شخصاً لم يتضرر أعز أصدقائه أو أقاربه من هذه الأسلحة.
وتقول "لويزا": "أذكر حين التقيت في غروزني امرأة روسية عجوزاً عثرت على سلاح غير منفجر انغرز في أساس منزلها. فكانت تصرخ وتناشد المسؤولين عن إزالة الألغام عدم تدمير المبنى بكامله واعدة بألا تحدث أي تشويش. إلا أن السلاح كان معرضاً للانفجار بمجرد اهتزاز يسببه مرور شاحنة . وكان لا بد في النهاية من تدمير المبنى فيما هي تبكي وتنتحب من الأسى والغضب. هناك آلاف القصص المشابهة. كنا في هذا الوقت جاهلون وغير مدركين للخطر. وكانت أغلبية الناس ميّالة إلى القول: لننتظر أن تنتهي الحرب وبعدها نقرر عما نفعل بشأن الألغام. "
لقد مضت أكثر من خمس سنوات ولويزا تشارك في العمل في مجال التوعية بالألغام وهي تمضي ساعات طويلة متنقلة من مجموعة متضررة إلى مجموعة أخرى تتكلم مع الناس وتشاطرهم تجاربهم وتعلمّهم كيف ينقذون أنفسهم.
كيف يمكن للمرء أن يقدر مدى نجاح التوعية بأخطار الألغام؟ هل هو عدد العروض المقدمة؟ فقد تمت المئات من العروض – الموجهة إلى قادة المجتمعات المحلية والمعلمين والسلطات المحلية والصحفيين والأطفال والراشدين... هل هو عدد الأحداث الخاصة المنظمة؟ نظمت العشرات منها – عروض العرائس للأطفال، ومباريات كرة القدم لضحايا الألغام، ومسابقات الملصقات، وإقامة المعارض وغيرها من الأحداث الكثيرة... هل هو عدد الذين أنقذت حياتهم؟ لا أحد يستطيع تعداد الخسائر والإصابات التي لم تحدث...
لم يستطع أحد أن يفسر للويزا ما الذي حدث لأسرتها في ذلك اليوم. فهي لا تزال تنتظر الأجابات شاكرة على الأقل لوجود ابنها بالقرب منها ولقدرتها على مساندة عائلتها والتخطيط للمستقبل.
وأمام طبق من "الغالوشكي" التقليدي نتناوله في منزل "لويزا" ، يتبادر إلى ذهني بيت من شاعر شيشاني بقي راسخاً في أعماق قلبي يقول: "رويت للبحر قصتي فبدأ يغلي" .
لا يوجد بحر في الشيشان ولكن هذه القصة هي قصة امرأة شجاعة لم تستسلم يوماً لقدرها.