يلجأ مربو الماشية في شرق تشاد إلى الهجرة الموسمية ويتنقلون بين شمال تشاد وجنوبه. فهم يقضون موسم الأمطار في الشمال في مناطق المراعي الواسعة في منطقة "أرادا" البدوية والمنطقة المكونة من "بوركو" و "إنيدي" و "تيبستي". وتتجه قطعان الجمال والمجترات الصغيرة والبقر جنوباً نحو "دار سيلا" و"سلامات" لأن المياه سرعان ما تشح لدى توقف الأمطار عن الهطول.
وتتمتع هاتان المنطقتان بأراضٍ غنية ومن ثم تؤمنان للسكان ظروفاً مواتية. وتسير الجمال المزينة بأبهى الحلى على رأس القوافل التي تسلك ممرات الهجرة الموسمية. وغالباً ما يشكل وصول مربي الماشية إلى منطقة ما مناسبة يبتهج لها السكان لأنها تغني أسواقهم المحلية بالحليب والمنتجات الحيوانية الأخرى والمنتجات الحرفية التي يجلبها مربو الماشية معهم.
وعلى الرغم من التكامل بين تربية الماشية والزراعة, فقد تنشب أحياناً نزاعات يتواجه خلالها هذان النمطان من العيش وهذا النظامان من الإنتاج. وتسوى أحياناً النزاعات بطريقة ودية عبر الآليات التقليدية, أي أن الشيوخ يناقشون المسألة تحت ظل شجرة وحول فنجان شاي إلى أن يتوصلوا إلى تعويض ملائم عن الضرر الذي لحق بالطرف المتضرر.
النظر بريبة إلى مربي المواشي
أدت, خلال السنوات الأخيرة, أعمال العنف التي تنشب بين الجماعات بشكل متفرق في شرق تشاد, إضافة إلى الأحداث التي يشهدها إقليم "دارفور" المجاور, إلى إضعاف آليات فض النزاعات هذه وزادت من الريبة التي ينظر من خلالها الناس إلى مربي الماشية. وبدأ السكان, في ظل أوضاع بلغ فيها التشنج ذروته, يستخدمون صفات مثل "إفريقي"أو "عربي" أو "جنجويد" للتعبير غالباً عن واقع ليس بالوضوح الذي قد يبدو في الوهلة الأولى.
وأدت هذه النظرة إلى جماعات البدو الرحل وشبه الرحل بشكل تدريجي إلى تغيير نمط عيشها إذ دفعتها إلى اللجوء إلى مناطق يصعب الوصول إليها أحياناً مثل المناطق الواقعة خلف الوديان (أي مجاري المياه التي غالباً ما تكون جافة ولكنها قد تشهد فيضانات مريعة), والتلال داخل المناطق المشجرة. وتضطر هذه الجماعات لكي تنعم بالأمن والطمأنينة, إلى الابتعاد عن المرافق الصحية والإدارية والاجتماعية وعن مرافق الخدمات البيطرية الأساسية بالنسبة إلى مربي الماشية.
وفي مثل هذا السياق, دأبت اللجنة الدولية التي تتمثل مهمتها في مساعدة وحماية ضحايا النزاعات المسلحة وأعمال العنف الداخلية, على وضع برنامج لتدريب مساعدين بيطريين.
ويشارك المساعد البيطري, الذي يتم اختياره من بين مربي الماشية من جماعته, في دورة تدريبية تدوم 14 يوماً, يتعلم خلالها تشخيص الأمراض الأكثر شيوعاً التي تصيب الحيوانات ومعالجتها أو الوقاية منها. ويتسلم مجموعة من الأدوية الفعالة ويستطيع تجديد مخزونه من خلال الإيرادات التي يحققها عبر بيع الأدوية وإجراء المعاينات وغيرها من الخدمات التي يقدمها لجماعته.
وهكذا تستفيد الجماعة التي ينتمي إليها المساعد البيطري من مهاراته وخدماته وتسانده بالمقابل في جهوده الرامية إلى تحسين صحة كل قطعان الجماعة.
الاعتماد على الذات لتأمين سبل العيش
قامت اللجنة الدولية خلال عام 2007 , بمساعدة وزارة تربية الماشية, بتدريب 74 مساعداً بيطرياً في "دار سيلا" و 21 مساعداً من بين مربي الماشية من البدو الرحل في منطقة "أرادا". وشارك في هذه العملية الأطباء البيطريون في المنطقة وهم سيتكفلون بمتابعة هؤلاء المساعدين الذين يملكون الآن المعارف الأساسية في ما يتعلق بصحة الحيوانات.
وتنفذ اللجنة الدولية هذا البرنامج في مناطق أخرى من تشاد. فقد نظمت المؤسسة, خلال شهر مارس/آذار 2008, دورة تدريبية لصالح 15 مربياً للماشية من بلدة "إيريبا" في منطقة "دار زغاوة" التي تعتمد على تربية الماشية وتستقبل كذلك أهم مخيمات اللاجئين السودانيين, مما اضطرها إلى تقاسم مواردها مع الرعاة المنتمين إلى جماعات اللاجئين.
وتشكل رغبة اللجنة الدولية في دعم المبادرات التي يتخذها ضحايا النزاعات من أجل الاعتماد على أنفسهم في تأمين سبل عيشهم, حجر الأساس في النهج الذي تتبعه في مجال المساعدات. وتعير المؤسسة أهمية خاصة للآليات التي تعتمدها الجماعات لتأمين قوتها ولأنماط عيشها بهدف التوصل معاً إلى حلول تتلاءم وحاجاتها.
وقد أتاحت عمليات التوزيع الطارئة للمواد الغذائية والمواد الأساسية لما يقارب 000 80 نازح أن يؤمنوا احتياجاتهم في ظروف صعبة للغاية. ودعمت أيضاً اللجنة الدولية خلال عام 2007 إنتاج الخضروات التي تزرعها أكثر من 1300 أسرة, وتحقق ذلك بفضل المساعدة التي قدمت إلى الجماعات من خلال توفير مضخات يدوية ومعاصر لإنتاج الزيت وإعداد المستودعات لتخزين المحاصيل.
أما مشروع تدريب المساعدين البيطريين فقد سمح لأكثر من 000 23 شخص يأتي الجزء الأساسي من دخلهم من تربية الماشية بتحسين صحة قطعانهم ومن ثم زيادة إنتاجها.