تبلغ لطيفة من العمر 61 عاما, تأتي من الموصل في شمال العراق مرة كل ثلاثة أشهر لزيارة ابنها محمد, المحتجز في الوقت الراهن في معسكر "بوكا", وهو مكان الاحتجاز التابع للولايات المتحدة في البصرة.
من أجل مساعدة أفراد الأسر على زيارة أقاربهم المحتجزين, واصلت اللجنة الدولية في عام 2007 المساهمة في تحمل نفقات سفرهم إلى معسكر "بوكا" ومرفق الاعتقال في مطار البصرة.
واستفاد من هذا البرنامج أكثر من 11.600 محتجز, في حين تسلم 31 ألف فرد من أفراد الأسر إعانة من اللجنة الدولية لتغطية تكاليف السفر.
ثوب لطيفة البني ومعطفها الأسود في غاية النظافة والأناقة وكأنها جاءت لتحضر مناسبة خاصة. وما كان ليخطر ببال أحد أنها قامت برحلة استغرقت ستة أيام من الموصل إلى البصرة. وتنحني لطيفة بين الفينة والأخرى لتمسح الغبار عن حذائها الأسود.
تدق عقاريب الساعة معلنة الساعة التاسعة صباحا وتضرب الرياح القارسة وجه لطيفة; فتحاول الاحتماء بيديها. وتقول: "إنني أنتظر هنا في الخارج منذ الساعة الخامسة صباحا. فقد وصلت إلى البصرة الليلة الماضية وبقيت في منزل ابن عمي. وهذه هي المرة الثالثة التي أزور فيها محمد, لكن ابني الآخر, اسماعيل, لم يستطع المجيئ قط لأنه يخشى على نفسه من أن يختطف بل ويقتل".
ومن بين عشرات الأشخاص الذين ينتظرون زيارة أقاربهم, لا نرى إلا عددا قليلا من الرجال. فالنساء يضطررن إلى السفر لوحدهن برفقة أطفالهن.
وبالقرب من لطيفة, هناك علي (4سنوات) وأخته نرمين (7سنوات) ينتظران رؤية أبيهما. وتمسك نرمين بيد شقيقها وتشد عليها. وهي لم تر والدها منذ سنتين. وتقول فاطمة والدة الطفلين: "أنا قلقة ألاّ يعرف علي والده. فأنا دائما أريه صور والده إلا أن الوقت يطول".
وتقول لطيفة: "في غضون بضعة دقائق, سيكون بمقدوري مقابلة محمد والإمساك بيديه والنظر إلى عينيه. إنني سأراه لمدة ساعتين, وهذا يجعل الرحلة بالنسبة لي تستحق ذلك الجهد والعناء. ففي البيت, أبكي لوحدي إلى درجة أنني أشعر في بعض الأحيان بحرقة في عيناي".
"ولكن الأمر مختلف اليوم. فأنا أعرف أنه تعيس وسيزداد حزنه إذا رآني أبكي. فأنا اليوم أرتدي أفضل ما عندي, وأضع العطر الذي دائما ما أحبه بحيث عندما أمسك يديه, سيحتفظ برائحة ذلك العطر بقية اليوم".
تحمل لطيفة بضعة صور لحفيدها, ابن محمد الذي يحمل اسم أحمد ويبلغ من العمر شهرا واحدا. وقد بعثت بها زوجته حتى يتسنى له رؤية مولوده الأول.
وتختم قائلة: "كل ما ما يشغل بالي هو انتظار وقت الزيارة. فلا أهتم اليوم إلا بمواعيد زيارات ابني ولا أبالي بالأشهر والأيام. وسأستمر في المجيئ إلى هنا طالما أستطيع السير على قدمي".